Tuesday, July 17, 2007

العيشه و سنينها

جدة جدتي التى رحلت عن الحياة فى بداية القرن العشرين عن عمر يزيد عن ثمانين عاما، عاشت حياة تشبه كثيرا ما عاشته أمها وأم أمها لألف عام مضت على الاقل. فقد تزوجت فى الثالثة عشر و حملت 11 بطنا كأى أنثى مكتملة الخصوبة و عاش من أبناءها 9 من الذكور و الاناث، طحنت القمح و حلبت البقر و ذبحت الدجاج والارانب لتعد الطعام اليومى، القت القمامة فى النار لتصنع الخبز لإفطار الجميع قيل شروق الشمس . سافرت من الاسكندرية للقاهرة فى رحلة أمتدت لثلاثة أشهر على ظهر الحمار هربا عدوان الانجليز على مصر فى 1885، حملت هى الرضيع و حمل الاب الصغار، لم تخلع برقعها الابيض من على وجهها لمدة ثلاثة أشهر حتى صار أسود . تندرالأحفاد بالشقاء الذى أصاب الأم من جراء العدوان و الانجليز. شهدت القطار الاول و الاحتلال و المقاومة . رحلت قبل أن تصير المدن مدنا و تقسم وسط البلد على غرار المدن الاوروبية و تقام المبانى على الطرز الفرنسية و الايطالية. و قبل أن يزحف التمدن على تصرفات الناس و ترتدى النساء من أصول تركية الملابس الاوربية ويرطن بالفرنسية و تقلدهن المصريات طمعا فى المكانة الاجتماعية. كان هناك مازال عبيد و محظيات و أغوات خلف أسوار القصورالفخمة. هى لم ترى زوجها قبل ليلة الزفاف .......و لم يرى العالم خارج أسوار العائلة وجهها قط.

جدة أمى إبنة القرن العشرين ، شابة فى مطلع القرن الجديد تزوجت مثل أمها فى الثالثة عشر و حملت 12 بطنا كأى أنثى مكتملة الخصوبة و قامت بنفس الاعمال اليومية المنزلية الشاقة بنفس الحماس ، و لكنها ندبت و أصابها الغم عندما قرر زوجها الازهرى ضرورة انضمام البنات للمدارس. و مع تسارع الزمن باقتراب الثلاثنيات و الاربعينيات ، ظهرت الماكينات و السيارات و عصفت بسلام حياتها اليومية رياح عجرفة و صلف حربيين عالميتين. حيث أخذ الرجال فى قتل بعضهم البعض بشهوة وشراسة ما يقرب من الخمس أعوام فى المرة الواحدة حتى ما عادوا يراوه شىء من كثرة الدماء و الجثث، بعد فترة انهكوا من القتل فتوقفوا عنه. و لكن الحياة لم تعد كما كانت من قبل أبدا .
المصانع اقيمت لصنع الات الحرب و السيارات المدرعة و الطائرات اخترعت، اتسعت طبقة العمال و من وراءها الشيوعية و الفاشية والرسمالية و القنبلة الذرية و النساء حول العالم ما عدن راضيات عن الرجال و الحياة التى يقدموها لهن، حيث أنها مؤخرا ما عاد بها سوى الموت، و قد خسرن
أطفالهن و رجالهن و أجبرن على العراك فى سبيل الخبز
.
جاءت جدتى للعالم مع الازدهار الاول للمدن، شابة فى الثلاثنيات، حيث الشوارع معبدة للسيارات ومضاءة بمصابيح الكيروسين فى بدلا من قناديل الزيت. صارت مقاومة الاحتلال و الموضة و الجامعات و المدارس هى الاحداث اليومية الاهم . أما هى فقد نزعت "البيشة" و ذهبت للمدرسة وتعلمت أشياء عديدة منها الادب و الشعر و السلوك القويم ، ركبت فوق الحصان و مشت بتفاخر امام الملك.

لم تقدس جدتى شيئا مثل التعليم و كانت تود لو تكمل تعليمها لتصبح مديرة للمدارس و أو وزيرة للمعارف و لكنها زوجت فى السادسة عشر و قد رأت وجه الزوج قبل الزفاف و انجبت 8 من الذكور و الاناث كأى أنثى مكتملة الخصوبة و رعت البيت و الزوج بتفانى و بنظام شبة عسكرى تعلمته غالبا فى المدرسة . فى الستينات نزعت غطاء الرأس تحت الابتزاز العاطفى وضرورة التحول فى الزمن الجديد، وعادت و ارتدته عند العودة من الحجاز. شهدت جدتى كل موديلات السيارات من الفورد الاولى إلى الميجان 2007 و ركبت الطائرة المتجه للأراضى الحجازية عده مرات.

أمى الانتقالية ، الشابة فى الستينات العامرة بالتغيرات، تخرجت فى الجامعة ولبست المينى جيب و تودد لها الزملاء فى مقاعد الدراسة ، أمى شهدت السنيما فى الزمن الجميل، أتبعت ذوق فاتن حمامة و تشبهت بزبيدة ثروت و كانت تبحث عن عبد الحليم حافظ فى كل الرجال. كرهت نادية لطفى و لم تصدق تهور سعاد حسنى.
و لم تقدس أمى سوى العمل الدؤوب و الاجتهاد فى طلب العلم فتسلقت السلم الاكاديمى حتى نهايته ، و ارتدت غطاء الرأس وسط استنكار الجميع و الاتهامات بالرجعية و التخلف تزوجت فى السابعة و العشرين و أنجبت 4 من الذكور و الإناث كأى أنثى مكتملة الخصوبة تعمل بدوام كامل و تتسلق السلم الاكاديمى باجتهاد. عندما ختمت جوز سفرها لدخول الولايات المتحدة كانت الاولى من بين نساء و ذكور العائلة التى
ذهبت الى الجهة الاخرى من العالم.
.
أنا..............................التطور الطبيعى للحاجة الساقعة


المتعولمة .... الشابة فى انقلاب الالفية ............. بشكل ما مازلت امرأة رغما عن الجدل الفكرى الذى أمتد لأعوام فى محاولة لتعريف المرأة والرجل فى زمن المثليين و المثليات .لا يخفى زى البحر كثيرا من جسدى عن العالم، كلما سنحت الفرصة و لم تعد الاكاديمية التى اصبحت متعفنة صرح للعلم . عاصرت كامب ديفيد والعمولات بالمليارات و الملايين و البنك الدولى والاصلاح الهيكلى و القهر السياسى و الفكرى و المناشف النسائية التى تحمل علامة تجارية لشركة أمريكية عابرة للقارات . أرتديت غطاء الرأس مبكرا بتأثير زياراتى لوالدى فى السعودية وسط استنكار و تهانى العائلة و نزعته بعدها بعشر سنوات وسط الاستنكار أيضا و الاتهامات بالانحلال، ذهبت مرتين للجهة الاخرى من العالم قبل أن أكمل عامى الخامس و العشرين، و مازلت، و برغم كل شىء فى عيون 80% من رجال و نساء عشيرتى عورة ، نقص ما ، ثقب
ما فى جسد العشيرة مغلف بغلالة رقيقة ، لا يفتح الا بالشهود وبالدم، أما دمي أو...... دمي
.
لم أقدس شيئا و كفرت بالرجال و بحث عما لا أعرف أسمه فأسلمنى للفضاء......... المفتوح تتلقفنى
الثقوب السوداء.
ركبت السيارة قبل أن أتعلم المشى و ركبت الطائرة عدة مرات قبل أن أتعثر فى أكوام القمامة أثناء التجول فى منشية ناصر. تابعت إطلاق و عودة الصواريخ الذاهبة للفضاء الخارجى و لم تردعنى كارثة تشالنجر عن النشوة التى تجتاحنى كلما تجهزت للذهاب للقمر......... و قبل أن ادخل رقم إئتمانى على الكمبيوتر لحجز مقعد فى الصاروخ التالى المتجه للقمر ..... تسألت عن الجدوى.

لم أتزوج. والأن........ أنا فى الرابعة و الثلاثين و لم انجب ذكور ولا إناث كما يجدر بإنثى مكتملة الخصوبة، لا يشاركنى فى فراشى أحد ولا أستطيع النوم بدون إغلاق باب الحجرة بالمفتاح. اتسال هل سياتى اليوم الذى يشاركنى فى حياتى رجل ما و ما معنى هذا بالضبط ؟ و ان حدث، هل سيقبل اغلاق الحجرة بالمفتاح دونه ، أم ستحدث معجزة ما وسأترك الباب مفتوح
.
بحثت عن الجدوى و هدتنى بصيرتى لفيلم فايت كلوب و ميتركس و أشياء أخرى متعددة و بالتالى تعلمت عن الركود الكبير و الحروب الروحية و الأسر و الارتقاء و اشياء أخرى من هذا القبيل.
قبل أن أعثر على الثقوب الذهبية، كان للتنقل عبر الثقوب السوداء ميزة وحيدة ، و هى اعتيادها و
اختفاء الرهبة منها. حتى و جدت الثقوب الذهبية تلك العامرة بالضوء المكثف المصنوع من الذهب ، ذاك المعدن الذى لا يبلى. لتمر بى عبر عوالم السحر و الخيال و الزمان و المكان و الجسد و الروح .

تعلمت السحر بدلا من الخداع، و الخيال عوضا من الوهم ، الزمان والمكان الانيين الابديين بدلا من الافتراضيين ، و ماهية عناق الجسد و الروح كبديل لعناق الخداع بالوهم.

و تعلمت أيضا ،إن الحياة كما كنت أعرفها........ قد انتهت.

11 comments:

IRC President said...

ثرية قوي التدوينة ده

أدب وتاريخ

الوصف للأحداث جميل قوي

karakib said...

:D
wow

ayman_elgendy said...

من أنتي ..؟؟

كلماتك ارتطمت بي كأني أجلس علي صخر أمام البحر والموج بعيداً عني....وفجأة تعلو موجة وتنشر رذاذها الندي علي وجهي الملول ...فيبتسم ابتسامة لا يفهمها من يجلس بجواري ولكن يفهمها البحر وحده

تحياتي لكي ولقلمك ولروحك المحلقة بعيداً

bluestone said...

أنثى أنتي بكل ما تحمله الكلمة من ثراء واضطراب وعبث وسحر ....
تسللت إلي برحلتك عبر العصور .. حتى وصلنا للانثى الافتراضية ... أول من واجهت جدلا في تحديد انها انثى .. ومكتملة الخصوبة أيضا ..
سأتابع سيدة الوشاح علَها تدرك وجهتها .. وعلَي ادركها :)

Ma3t said...

سعيدة جدا بانى وصلت هنا

SnipER said...

سيدتي المتوشحة بالفيروزي:)
انحني احتراما لعميق افكارك ومرح روحك
واشكر لك صداقتك
مودتي,,

Omar Ali said...

Reading your writings is like eating a Big Mac and drinking Coke while watching CBS news .. a masochistic experience. super-size me :) .

mirage said...

ربما اعتبره نوع من التشاءم... فالحياة انتهت ولكن لنعيد مشاهد الصورة لأحفادك... الاناث كيف ترينهم ؟ هل ستنتحي الحياة عندهم أيضاً؟
كتاباتك جميلة

3arousa 7alawa said...

أيييييييييي
دي المرة الرابعة اللي بقرا فيها التدوينه... مش قادرة أوصفلك إحساسي.. النهاردة أنا بقرا التدوينة وأنا لامسة الحاجات والناس.. بقالي ساعة بتكلم مع بابا عن بيت جدته.. دمّع كذا مرة وهو بيوصفلي يوم الخبيز وبيوت الخالات والعربات المحملة بالدقيق.. والحب الأول.. اليوم بالذات أحمل الكثير من التفاصيل

شكرا أوييييي

خريجة 2007 said...

فكرة جميلة والطرح أجمل
وعبرتي عن واقع
اتمنى ان ارى المزيد من ابداعتك

قلم جاف said...

و تعلمت أيضا ،إن الحياة كما كنت أعرفها........ قد انتهت.


الأهم هي الحياة كما تريدين أن تعيشيها.. ليس كما تعرفينها من الآخرين..

بهذا المفهوم أرى سطورك نابضة بشدة بالحياة..